محمد بن جرير الطبري

82

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من قاله . وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ منسوخ بقول الله تعالى ذكره : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ لأَن الهاء التي في قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ من ذكر الصيام . ومعناه : وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الجميع من أهل الإِسلام مجمعين على أن من كان مطيقا من الرجال الأَصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان فغير جائز له الإِفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين ، كان معلوما أن الآية منسوخة . هذا مع ما يؤيد هذا القول من الأَخبار التي ذكرناها آنفا عن معاذ بن جبل وابن عمر وسلمة بن الأَكوع من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم ، وبين الإِفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فألزموا فرض صومه ، وبطل الخيار والفدية . فإن قال قائل : وكيف تدعي إجماعا من أهل الإِسلام على أن من أطاق صومه وهو بالصفة التي وصفت فغير جائز له إلا صومه ، وقد علمت قول من قال : الحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما لهما الإِفطار ، وإن أطاقتا الصوم بأبدانهما ، مع الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : حدثنا به هناد بن السري ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغدى فقال : " تعال أحدثك ، إن الله وضع عن المسافر والحامل والمرضع الصوم وشطر الصلاة " . قيل : إنا لم ندع إجماعا في الحامل والمرضع ، وإنما ادعينا في الرجال الذين وصفنا صفتهم . فأما الحامل والمرضع فإنما علمنا أنهن غير معنيات بقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وخلا الرجال أن يكونوا معنيين به لأَنهن لو كن معنيات بذلك دون غيرهن من الرجال لقيل : وعلى اللواتي يطقنه فدية طعام مسكين ؛ لأَن ذلك كلام العرب إذا أفرد الكلام بالخبر عنهن دون الرجال ؛ فلما قيل : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ كان معلوما أن المعني به الرجال دون النساء ، أو الرجال والنساء . فلما صح بإجماع الجميع على أن من أطاق من الرجال المقيمين الأَصحاء صوم شهر رمضان فغير مرخص له في الإِفطار والافتداء ، فخرج الرجال من أن يكونوا معنيين بالآية ، وعلم أن النساء لم يردن بها لما وصفنا من أن الخبر عن النساء إذا انفرد الكلام بالخبر عنهن وعلى اللواتي يطقنه ، والتنزيل بغير ذلك . وأما الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إن كان صحيحا ، فإنما معناه أنه وضع عن الحامل والمرضع الصوم مادامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا ، كما وضع عن المسافر في سفره حتى يقيم فيقضيه ، لا أنهما أمرتا بالفدية والإِفطار بغير وجوب قضاء ، ولو كان في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله وضع عن المسافر والمرضع والحامل الصوم " دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عنى أن الله تعالى ذكره وضع عنهم بقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاء ، وأن لا يلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية ؛ لأَن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حكمه وبين حكم الحامل والمرضع ، وذلك قول إن قاله قائل خلاف لظاهر كتاب الله ولما أجمع عليه جميع أهل الإِسلام . وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وعلى الذين يطيقون الطعام ، وذلك لتأويل أهل العلم مخالف . وأما قراءة من قرأ ذلك : " وعلى الذين يطوقونه يطيقونه " فقراءة لمصاحف أهل الإِسلام خلاف ، وغير جائز لأَحد من أهل الإِسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم نقلا ظاهرا قاطعا للعذر ، لأَن ما جاءت به الحجة من الدين هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله ، ولا يعترض على ما قد ثبت وقامت به حجة أنه من عند الله بالآراء والظنون والأَقوال الشاذة . وأما معنى " الفدية " فإنه الجزاء من قولك : فديت هذا بهذا : أي جزيته به ، وأعطيته بدلا منه . ومعنى الكلام : وعلى الذين يطيقون الصيام جزاء طعام مسكين لكل يوم أفطره من أيام صيامه الذي كتب عليه . وأما قوله : فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فإن القراء مختلفة في قراءته ، فبعض يقرأ بإضافة الفدية إلى الطعام ، وخفض الطعام ؛ وذلك قراءة معظم قراء أهل المدينة ؛ بمعنى : وعلى الذين يطيقونه أن يفدوه طعام مسكين ؛ فلما جعل مكان أن يفديه الفدية أضيف إلى الطعام ، كما يقال : لزمني غرامة درهم لك بمعنى لزمني أن أغرم لك درهما ، وآخرون يقرءونه بتنوين الفدية ؛ ورفع الطعام بمعنى